فخر الدين الرازي
186
تفسير الرازي
ومجتهدون في الضلال والإغواء ، فلو كان مراد الله تعالى هو الإرشاد والهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين والمحققين وإهلاك المضلين والمغوين ، وحيث فعل بالضد منه ، علمنا أنه أراد بهم الخذلان والكفر . الثالث : أنه تعالى لما أعلمه بأنه يموت على الكفر وأنه ملعون إلى يوم الدين كان ذلك إغراء له بالكفر والقبيح ، لأنه أيس عن المغفرة والفوز بالجنة يجترئ حينئذ على أنواع المعاصي والكفر . الرابع : أنه لما سأل الله تعالى هذا العمر الطويل ، مع أنه تعالى علم منه أنه لا يستفيد من هذا العمر الطويل إلا زيادة الكفر والمعصية ، وبسبب تلك الزيادة يزداد استحقاقه لأنواع العذاب الشديد كان هذا الإمهال سبباً لمزيد عذابه ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه وعقابه . الخامس : أنه صرح بأن الله أغواه فقال : * ( رب بما أغويتني ) * وذلك تصريح بأن الله تعالى أغواه لا يقال : هذا كلام إبليس وهو ليس بحجة ، وأيضاً فهو معارض بقول إبليس : * ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) * فأضاف الإغواء إلى نفسه ، لأنا نقول . أما الجواب عن الأول : فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فإن الله تعالى ما أنكره عليه وذلك يدل على أنه كان صادقاً فيما قال . وأما الجواب عن الثاني : فهو أنه قال في هذه الآية : * ( رب بما أغويتني لأزينن لهم ) * فالمراد ههنا من قوله : * ( لأزينن لهم ) * هو المراد من قوله في تلك الآية : * ( لأغوينهم أجمعين ) * إلا أنه بين في هذه الآية أنه إنما أمكنه أن يزين لهم الأباطيل لأجل أن الله تعالى أغواه قبل ذلك ، وعلى هذا التقدير فقد زال التناقض ويتأكد هذا بما ذكره الله تعالى حكاية عن الشياطين في سورة القصص : * ( هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ) * ( القصص : 63 ) . السؤال السادس : أنه أقل : * ( رب بما أغويتني ) * وهذا اعتراف بأن الله تعالى أغواه فنقول : إما أن يقال : إنه كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه ، أو ما عرف ذلك ، فإن كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه امتنع كونه غاوياً لأنه إنما يعرف أن الله تعالى أغواه إذا عرف أن الذي هو عليه جهل وباطل ، ومن عرف ذلك امتنع بقاؤه على الجهل والضلالة ، وأما إن قلنا : بأنه ما عرف أن الله أغواه فكيف أمكنه أن يقول : * ( رب بما أغويتني ) * فهذا مجموع السؤالات الواردة في هذه الآية . أما الإشكال الأول : فللمعتزلة فيه طريقان : الطريق الأول : وهو طريق الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة ، لأنه تعالى علم أنه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته ، فبتقدير أن لا يوجد إبليس ولا وسوسته